أبو الليث السمرقندي

30

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله عز وجل : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى ، يعني اختاروا الكفر على الإيمان . وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة ، لأن اللّه تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء ، ولم يكن هنالك لفظ شراء . قوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ فقد أضاف الريح إلى التجارة على وجه المجاز . والعرب تقول : ربحت تجارة فلان ، وخسرت تجارة فلان ، وإنما يريدون به أنه ربح في تجارته ، واللّه تعالى أنزل القرآن بلغة العرب على ما يتعارفون فيما بينهم فلذلك قال : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ أي فما ربحوا في تجارتهم . قوله تعالى : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ قال بعضهم : معناه وما هم بمهتدين في الحال ، كقوله تعالى : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ مريم : 29 ] أي من هو في المهد صبي في الحال . وقال بعضهم : معناه وَما كانُوا مُهْتَدِينَ من قبل لأنهم لو كانوا مهتدين من قبل ، لوفقهم اللّه تعالى في الحال ، ولكن لما لم يكونوا مهتدين من قبل ، خذلهم اللّه تعالى مجازاة لأفعالهم الخبيثة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) قوله تعالى : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ، روى معاوية بن طلح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : نزلت هذه الآية في شأن اليهود الّذين هم حوالي المدينة ، فقال : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ يعني كمثل من كان في المفازة في الليلة المظلمة وهو يخاف السباع ، فأوقد نارا فأمن بها من السباع ، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ طفئت ناره وبقي في الظلمة ، كذلك اليهود الّذين كانوا حوالي المدينة كانوا يقرون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يخرج ، وكانوا إذا حاربوا أعداءهم من المشركين يستنصرون باسمه فيقولون بحق نبيك أن تنصرنا ، فلما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم وقدم المدينة ، حسدوه وكذبوه وكفروا به فطفئت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر . وقال مقاتل : نزلت في المنافقين ، يقول : مثل المنافق مع النبي صلى اللّه عليه وسلم كمثل رجل في مفازة فأوقد نارا فأمن بها على نفسه وأهله وعياله وماله ، فكذلك المنافق يتكلم بلا إله إلا اللّه مرآة الناس ، ليأمن بها على نفسه وأهله وعياله وماله ويناكح مع المسلمين ، وكان له نور بمنزلة المستوقد النار يمشي في ضوءها ما دامت ناره تتقد ، فلما أضاءت النار أبصر ما حوله بنورها وذهب نورها فبقي في ظلمة .